Wednesday, 11 May 2011

ليس إلا جنديا إسرائيليا

"يا شباب قال بدكم تشلحوا الكوفيات... الجنود مش راضيين يفوتوكم إلا إذا شلتوها عن اكتافكم" تصرخ الخليلية الثلاثينية بعصبية. تمطرها الردود دفعة واحدة وبشكل عفوي "فشروا"، "لاء مش على ذوق أبوهم"، "مش رح نشلحها"، "صرنا واصلين ما تخلونا نرجع"، "يا شباب خلّونا نشيلها الفكرة إنو نفوت لجوّا نحنا مش كل يوم بفلسطين ما تعملوا قبضايات هلّق"، "شو هالظلم هاد". سرعان ما تحوّل الاختلاف على الكوفية، بقدرة قادر، الى هتاف موحّد بالحرية لفلسطين وبالزوال للاحتلال.

استنفرت هذه الجلبة جنود الاحتلال، واستنفر معهم المنظِّمون للجولة كوننا بتنا محتجزين بين معبر حديدي آلي وآخر اعتمد كنقطة تفتيش تفصل بينهما أمتار قليلة. "هدول اليهود أوسخ اشي بالخليل، وما كان اشي رح يمنعهم يطخّوا عليكم أو يرموا قنبلة غاز"، يبرّر المنظمون وهم يستعجلون أفراد المجموعة لتجاوز المعبر الحديدي الآلي الذي يُبعدنا بضع قبلات عن الحرم الابراهيمي.
زميلتي وأنا قررنا المحاولة مرة ثانية بعد عدة أيام، بمساعدة من نجيب الشاب الخليلي العشريني. أردنا تسجيل موقف حقيقي بالدخول فعليا الى الحرم هذه المرة. أزقة بيوت البلدة القديمة المؤدية للحرم دليل حي على معاناة الأهالي هناك، فالأعلام الاسرائيلية تطلّ من كل حدب وصوب. هنا منزل مؤلف من عدة طبقات استولى عليها أو على بعضها مستوطنون يهود بالقوّة. وهناك آثار لحريق أضرمه بعض المتطرفين اليهود في أحد البيوت. وهنا وهناك شباك كشباك صيد السمك معلّقة في السماء تصطاد ما يحاول هؤلاء رميه على رؤوس الخليليين.
نقترب من الحرم الابراهيمي أخيرا، نجتاز الحاجز الآلي لنصل عند نقطة التفتيش. تعبر فداء بسهولة فحجابها كان شفيعها. يأتي دوري، يسألني الجندي بعربيته المكسّرة عن ديني! أدعي عدم فهم سؤاله. يكرره بالانكليزية إن كنت مسيحية أم مسلمة. أجيبه محاولة التذاكي: "وهل يشكل ذلك فرقا؟ ماذا إن كنت ملحدة مثلا؟!". يردّ بلؤم مشيرا بيده "نعم... وقفي على جنب". أشعر أنني في ورطة "تفلسفتي يا ست يعني؟ شفتي حدا ملحد بدو يفوت على جامع!! شو كنت عم تفكري؟"، أبرّر لنفسي "بس كنت بدي أفرجيه إنو ما في فرق بين فلسطيني مسيحي وفلسطيني مسلم". أعنِّفها "طب أسكتي هلّق".

أنتظر ليأتي نجيب الذي كان يخضع لتفتيش "يدوي" أيضا، أفكر كيف بحق السماء يحاول هذا الجندي الغبي أن يدّعي مراعاة مشاعر المسلمين!! وانا أشاهد من بعيد قطعان من اليهود المستوطنين والسياح يسرحون ويمرحون في النصف الآخر الذي احتلّوه من الجامع!
أراه يتحدث مع رجل يرتدي ثياب مدنية. أتذكّرهذا الرجل جيدا، هو الأربعيني ذاته الذي كان يستعلم منّا ويترجم للجنود في الزيارة الأولى لنا. يعلو صوته فجأة مربتا على كتف الجندي "فوّتهم يا زلمه بدهم يصلوا". في الداخل، يتبع خطواتنا جنديان وكاميرات مراقبة منتشرة في أرجاء المكان الذي يكاد يكون مهجورا إلا من عدد قليل من الخليليين –ربما لأن وقت الصلاة لم يحن بعد- أسأل أحدهم وفي ذهني صورة طابور اليهود في القسم المحتل "على طول هيك ما في حدا هون؟" ينفي، مستدركا "شايفة هناك صارت مجزرة الحرم الابراهيمي، ومن وقتها الناس صاروا يخافوا ييجوا يصلّوا".

ننهي حديثنا وأتابع السير متعمّدة البقاء تحت ناظري أحد الجنديين ليبقى هو تحت ناظري علّني استكشف شيء يخبرني ممّ هؤلاء البشر مصنوعون. يقترب مني بضع خطوات كمن يحاول البوح بسر ما ويسأل بعربية متينة "من وين جايين؟"، أجيبه "والله بالأصل من عكا بس لاجئين في لبنان"، يعلّق "انا حابب أزور لبنان"، "وأنا حابة أرجع على عكا"، أردّ. يقترب أكثر "على فكرة أنا من عكا"، أعلّق "والله!! كيف؟". يقاطعنا صوت استدعائه عبر جهازه اللاسلكي، ثمّ يجيب بجدية "انا أصلي من عكا كمان وبعدني عايش هناك". أصمت مصدومة، أقتربت منه حتى كاد حضن عكاوي أصيل يفصلنا، أتفقد ملامحه وتعابيره عن قرب أبحث فيها عن شيء يصدق ما قاله بأنه فلسطيني وعكاوي الأصل مثلي! عن اي شيء يكذّب بذلته العسكرية المرصّعة بالعلم الاسرائيلي أو سلاحه المدلى عن كتفه أو استجابته للكلمات العبرية الصادرة من جهازه مرة أخرى.

يُفتح الساتر البلاستيكي، العازل شطري الحرم، له... يعبره ليتمّ مهمته بحماية قطعان المستوطنين والسياح اليهود. حينها تأكدت فقط أنه لا يمكن أن يكون فلسطينيا وأنه ليس إلا جنديا إسرائيليا آخر.

ليتها كانت عودة بلا رجعة

كادت حورية الفار تفقد الأمل بتمكنها وفرقتها "الكوفية" من تقديم لوحات تراثية راقصة على أرض الوطن. فإثر فوز فرقتها بالمرتبة الأولى في مسابقة أفضل فرقة للرقص الشعبي ضمن فعاليات القدس عاصمة الثقافة العربية، وُعِدت برحلة الى فلسطين لتقدم خلالها الفرقة عروضا من على خشبة القصر الثقافي في رام الله. إلا أن موعد الرحلة المفترضة الى فلسطين ألغي وتأجل أكثر من مرة حتى بات تصديق إمكانية تحقيقه أمرا مستحيلا، إلى حين تلقيها بعد طول صبر وانتظار نبأ يجزم بموعد السفر مطلع الشهر الحالي. إذ شفع انعقاد مؤتمر الاستثمار الدولي الذي عقد في بيت لحم، لوزارة الثقافة الفلسطينية وللجنة الوطنية للتربية والثقافة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية "لتضربا عصفورين بحجر"! فمن جهة تفي بالوعد الذي قطع لفرقة "الكوفية" بتقديم عروض في أرض الوطن، ومن جهة ثانية تتمكن من عقد الملتقى الثقافي التربوي الثالث الذي كان من المفترض انعقاده في الأردن، في فلسطين. هكذا، تم استصدار تصاريح مستعجلة لأعضاء من فرقة "الكوفية" ولمجموعة من شباب المخيمات في لبنان وآخرين من سوريا والأردن تحت مظلة المشاركة في مؤتمر الاستثمار، تخولهم البقاء عشرة أيام في فلسطين وزيارة أي بقعة فيها.

هكذا، بدأ المشاركون بالتوافد من مختلف مخيمات لبنان الى نقطة التجمع والانطلاق من مقر السفارة الفلسطينية في بيروت مساء الاثنين 31-5-2010، حيث سادت أجواء من الترقب والإرباك واللاصبر بينهم في انتظار الإذعان بساعة الصفر لانطلاق الحافلة باتجاه فلسطين، وسط توصيات الأهل والأصدقاء لهم بإحضار "ترابات من البلاد" ودعوات لتقبيل الأرض نيابة عنهم ونقل سلاماتهم لأهلها.

تنطلق الحافلة أخيرا، لا أحد مستوعب لحقيقة الأمر بعد. "هل نحن فعلا ذاهبون الى فلسطين؟"، "بالطبع لن يسمحوا لنا بالدخول"، "سيختلقون أي حجة لمنعنا من الوصول إليها"، "لماذا يبدو هذا الحلم حقيقيا لهذه الدرجة؟"، هواجس تبادلها الشباب في الحافلة. سرعان ما تبددت مع عبور النقاط الحدودية اللبنانية والسورية. ما هي إلا ساعات وتنضم المجموعة الثانية من مخيمات سوريا الى الحافلة التي وصلت مع ساعات الشروق الأولى إلى الحدود الأردنية، حيث الانتظار كان أشبه بقصاص قاس. الارهاق والقلق سيّدا الموقف الآن، أخبار عن رفض ختم جوازات السفر، استنفار لإجراء اتصالات "رفيعة المستوى" هنا وصلوات لإتمام الأمور هناك، لم تجد نفعا بعد. جاءت الأوامر بصعود جميع الركاب الى الحافلة والعودة أدراجها الى بيروت. الحظ كان حليفا لشخصين فقط ممن يحملون جواز سفر لبناني الى جانب وثيقة سفرهما "الفلسطينية". إنها حتما سخرية القدر! تخيلوا "لبنانيّان" يحصلان على ختم يخوِّلهما المرور من الأردن باتجاه فلسطين، وفلسطينيون حرموا منه ليعودوا باتجاه لبنان. الأمر دفع بأحدهم للتضرع للسماء ومناجاتها "لمرة واحدة فقط لمرة واحدة، كن بصفّنا يا رب، كن الى جانبنا". أجواء من الخيبة والذهول تخيمان على الجميع، المساعي "رفيعة المستوى" في أوج استنفارها. ست ساعات على الحدود الأردنية مرت كالدهر. أخيرا يشفع القدر لنا. تتفتح أسارير وجوه الشبان والشابات في الحافلة، النبأ أعاد لهم الروح. بعد إتمام المعاملات، يعلو التصفيق والغناء "وين ع رام الله... وين ع رام الله.. ولفي يا مسافر وين ع رام الله".

تتابع الحافلة سيرها باتجاه فلسطين، يكتمل الوفد بانضمام المجموعة المتبقية من الفلسطينيين في الأردن. "أصبحنا نقترب من فلسطين أكثر فأكثر"، "حلم العودة أصبح قاب قوسين أو أدنى من التحقق أخيرا".

 
ما عدت لاجئة.. بل عائدة
الآن حان تبديل الحافلة في الأردن، يهمّ الجميع بنقل أمتعتهم للحافلة الجديدة المتجهة الى جسر الملك حسين – جسر العبور الى فلسطين المحتلة والنقطة الأكثر قربا لها. الصمت والذهول يخيمان على أجواء الحافلة. فلسطين بدأت تتكشف رويدا رويدا، كفاتنة تكشف النقاب عن وجهها تدريجيا، كشمس يغسل النسيم قرصها من كومة غيم غيّبتها، ومعها بدأت دموع الفرح تغسل ملامح الإرهاق عن الوجوه. ما هي إلا دقائق تفصلنا عن فلسطيننا.

دقائق تحولت الى ساعات في انتظار استلام تصاريح مليئة بأحرف عبرية بحثت فيها عن شيء أفهمه لأجد عبارة "السلطة الوطنية الفلسطينية" متربعة أعلاه، تملكتني رغبة بالانفجار باكية، لكوني أحمل ورقة غبية يأذن فيها لي المحتل لوطني بالدخول اليه! سرعان ما أطرد الفكرة من رأسي، فلا وقت للدراما الآن، لن أسمح للاحتلال أن ينغِّص عليّ فرحة تعميدي بنسيم فلسطيني، بأشعة شمسها، بذرّات متناثرة من ترابها.

تدوم النشوة لفترة قصيرة، فالاحتلال وجهه بشع أبدا، ويأبى إلا ان يذكرك بمدى بشاعته. نصل الى "نقطة" تحت سيطرته. وللحظة، ولولا تأكدي من أن هذا العلم أمامي هو علم لدولة الاحتلال "إسرائيل"، لجزمت انني في مطار الأردن نظرا لوجود صور للملك الأردني الحالي والسابق تزيّن جدران قاعة الانتظار. هنا، والآن، احتكاكي المباشر مع المحتل، سأقدم له أوراقا تبرر سبب زيارتي الى وطني، الى أرضي! نعدِّل من كوفياتنا لتصبح أكثر بروزا، ومن ملامح وجوهنا لتظهر أكثر تحديا لجنود الاحتلال. أمرّر لهم التصريح مرغمة، أتعمد إظهار اشمئزازي للابتسامات المزيفة على وجوههم ولعبارات الترحيب المصطنعة "أخلا وسخلا" (أهلا وسهلا). يسألني أحدهم "من وين انت؟"، أنظر اليه، أجيب: "من عكا". يعيد تكرار السؤال بتعجب: "من وين؟!"، أعيد على مسامعه ببطء وبصوت أعلى "من.. عكا"، فأنا رغما عن أنفه من عكا وعائدة إليها. أتابع سيري حيث جهاز الكشف عن المعادن، كثيرون كانوا مستعدين سلفا إذ خلعوا أحذيتهم وأحزمتهم ووضعوا هواتفهم جانبا. هكذا، وبعد الانتهاء وركوب حافلة جديدة تتوجه الى أريحا، أشعر بأنني بتّ بفلسطين أخيرا حيث لافتة "فلسطين ترحب بكم" تتصدر الشارع الذي نمر به... وكأننا كنّا في رحلة ما وعدنا الى البلد.

حلم العودة اختلط مع واقع اللجوء وهذيان الرحلة، انا الآن غيري... ما عدت لاجئة .. بتّ عائدة! أنا بكل بساطة على أرض وطني فلسطين تحت سمائها، تحت نجومها وقمرها! ولطالما كنت أتصور الحوار الذي سنحظى به عند لقائنا للمرة الأولى، والتزامي الصمت في الدقائق الأولى حتى ألتقط نجوما من فضاء الكلمات اللامحدود بقدر عشقي لها. أستسلم لعجزي وصمتنا، أعانقها بشدة حدّ الاختناق، أنزف بعضا من دمعي ليروي ظمأ اشتياقنا. أسرّ لها عن وجعي... عن احتضار إنسانيتي ببعدي القسري عنها.


Saturday, 23 April 2011

Peace, Propaganda & The Promised Land {Part 1}



"As a Jew I'm incredibly ashamed of what the Israeli government is doing to the Palestinians - it reminds me of apartheid in SA, it reminds me of the Warsaw Ghetto during WW2. Shame on you Israel. Not all Jews support you! Lots of us support our Palestinian brothers and sisters. Free Palestine!"


http://www.youtube.com/watch?v=eCL6WdnuNp4




Sunday, 13 March 2011

يسعد صباحك يا عكا


للقدر أحيانا "نهفات" غريبة لا أفهمها. لا أعرف لماذا خلافا لباقي الأيام، أكون "مصحصحة" مئة بالمئة أيام العطل والآحاد بالذات. فأجدني أستيقظ قبل ديك جارنا المعروف بصوته الجعور، وحتى بدون الحاجة الى إبقاء منبّه هاتفي المحمول متنبها لإيقاظي كل خمس دقائق.
أحاول مرّة أخيرة أن أستردّ نومي، ولكن عبثا أحاول. إذ أشعر بنشاط وحيوية منقطعي النظير. أقرّر بدء يومي بكوب شاي أخضر، أمسك بكتاب كنت قد أزمعت على قراءته. أصعد الى "السطح"، أبحث عن بقعة أنتظر فيها ريثما تُكمل الشمس استيقاظها. غير أن جارتنا العزيزة وغسيلها المنشور، الى جانب ألواح الزينكو وأسلاك الكهرباء يحجبون عني رؤية ما تبقى من السماء بسلام، كون ابن "جارنا السابع" غريب الأطوار مهووس بالتجسس على "العالم" من منظاره!
أقرّر الجلوس مقابل حائط علّقت عليه صورة كبيرة لشاب فلسطيني يحمل علم فلسطين وكتب عليها "حق العودة لا يعلى عليه". أغمض عيناي بارتخاء لتركيز استمتاعي بالهدوء على ايقاع غناء عصافير جارنا الشيخ.
"كيف عم نطالب بالحرية ونحنا ساجنين عصافير؟.... ناديا من شان ملكوت السما حِلِّي عنِّي". أطرد جميع أفكاري، أُحكم إغلاق عيناي هذه المرّة. أنا الآن في حديقة منزلي الخلفية في عكا... أستمتع بهدوء صباح عكاوي معطّر برائحة الياسمين ومريمية مقدسية نابعة من كوب الشاي – فقد عدّلت رأيي عن الشاي الأخضر. "يسعد صباحك يا عكا".
على حين غرّة يقفز على حضني قطي. أؤنبه، ليس لأنه قطع حبل أفكاري، بل لأنّه "شرّف أخيرا"، لا أدري أين أمضى ليلته. أضعف أمام انكماشه، أعاود حضنه "ولك شو رح تعمل بكرا بس آخدك معي على عكا... لوين بدك تروح ها؟". لن يكون هناك مشكلة حينها، فقط علي أن أتأكد من ميوله الجنسية أولا وأحضر له قطة فلسطينية "موزّة" أو قط  ليستكشفا معا المنطقة!
أخيرا أشرع في قراءة الكتاب. يبدأ ابن جارنا الشاب بعادته الروتينية بكشّ الحمام. لا أملك إلا أن أشاهد اتقانه التواصل مع سرب الحمام الذي أطلقه للتو نحو السماء. وكيف يتحكّم في علوّ واتجاه الحلقات التي يسبح فيها سربه والوقت الذي سيهبط فيه، بحركة من يده وصرخة من حنجرته وصفيرة من شفتيه. أراقبه كيف ينتظرها جميعها لتدخل القفص، محكما إغلاقه. كأنّه يحاول القول لن أمنحكم حرّيتكم... حتّى نحصل عليها نحن أولا.

صرصوران صديقا أسير

أهلي الأعزاء.... السلام عليكم

أنا بخير لا تقلقوا علي.
ضعفت قليلاً خلال فترة وجودي في السجن، لكن صحتي جيّدة.
السجن عالم آخر.
أنا أشتاق إليكم كثيراً، وأعرف كم هو صعب علينا وعليكم أن نُضرِب عن الزيارات...
نحن فقط نحاول تحسين شروط اللقاء بكم.
وسنناضل حتى يسمحوا لنا لمس أصابعكم عبر الشباك.
يامّا أريد أن أخبرك شيئاً، ولكن "أوعيك تقولي إبني انجن"...
لقد صادقت صرصورين قبل 7 أيام، وأقوم باللعب معهما.
  أقضي وقتي في الزنزانة في القراءة ومراقبة الصرصورين.
وضعتهما في علبة  صغيرة، وأقوم كل يوم بإطعامهما رشّة سكر.
وأقوم بإخراجهما من العلبة كل يوم عدة ساعات.
أحدهما لونه أسود والآخر لونه بني، يمكن أزوّجهم عندما يكبران.
قولتك يمّا إذا خلّفو.. شو رح يكون لون ولادهم؟


سلامي للجميع يمّا
ابنك جهاد.



Saturday, 25 December 2010

لا حج مبرور ولا سعي مشكور



الحمد لك يا رب على موسم الحجّ المبارك هذا، وعلى نعمك الكثيرة التي أنعمت بها  على سكان المخيم هذا العام.
فسبحانك، تمكّن عدد كبير من الجيران من الحجّ للسنة الثانية على التوالي وهم/ن على يقين بالحجّ مرّات أخرى إما عن روح آبائهم/ن أو أمهاتهم/ن أو أزواجهم/ن  أو ما ملكت أيمانهم، رغم الأوضاع الاقتصادية الزفت التي يشكون منها طوال الوقت.
وسبحانك، إقتنع أبناء الأحياء التي أنعمت على بعضهم/ن بزيارة قبلتك الثانية بعد القدس لإتمام أركانك الخمس أخيرا بأن يقوموا بطلاء الجدران وتزيينها. رغم استماتة بعض الشباب المتطوعين/ات الذين لا حول لهم ولا قوة القيام بمشروع جمع تبرّعات من أجل تجميل أزقتهم، عاملين بمبدأي أنك جميل تحبّ الجمال وأن النظافة من الإيمان.
الحمد لك يا رب، أن هديت ذريّتهم بعدم إطلاق النار من كلاشيناتهم إحتفاء بعودتهم/ن من قبلتك الثانية بعد القدس، ولك الحمد إذ عافيتنا من أن نكون من الذين يقضون نحبهم بطلقة طائشة من كلاشيناتهم تلك.
الحمد لك يا رب، أن جعلتهم يكتفون هذه المرّة بإطلاق الألعاب النارية نحو السماء.
اللهم لا تؤاخذهم إن نسوا أو تناسوا بأن لسمائك حرمات وأنها أمانة في أعناقهم وأنه لا ينقصها تلوّث إضافيّ بإسمك.
الحمد لك يا رب، إذ لطفت بجيراني وبعثت لهم سارقا (إبن حلال) ردّ لهم أوراقا غاية في الأهمية بعد أن سرق 4000 $ عبارة عن مقدّم لمهر ابنتهم التي لم تتزوج بعد، ليكونوا عبرة لأولي الألباب للتوقف عن مقايضة بناتهن قبل الزواج.
الحمد لك يا رب، أن أبقيت على روح الدعابة والتسامح في قلوب البعض وجعلتهم يرحّبون بالعائدين من قبلتك الثانية بعد القدس بالجملة الإيرانية الشهيرة "خوش آمديد"، لتذكرنا بأنك خلقتنا شعوبا وقبائل لنتعارف لا لنتباغض ونتقاتل.
الحمد لك يا رب، أن أبقيت على صورة حنظلة غير العابىء بشيء سوى أنه "ما في كهربا" -كما تقول العبارة المنسوبة له، لتفتح شهيتي للابتسام في كل صباح وأنا في طريقي للجامعة أو العمل حتّى لتلك الجارة البومة، وجعلتها لي صدقة  فكما قال نبيك محمد "التبسّم في وجه أخيك صدقة".
اللهم إني أسألك أنا العبدة الفقيرة الراجية خلاصك، أن ترسل لهؤلاء ولجميع المسلمين/ات من الحجاج البالغ عددهم هذه السنة بحسب ما أعلنته مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات السعودية نحو مليونان وسبعمائة وتسعين ألف حاج/ة من مختلف أصقاع الأرض، ملائكة في نومهم تخبرهم أن حجّهم ناقص بلا عودة القدس، قبلتك الأولى.
وأنهم طالما قبلتك الأولى القدس منسيّة تحت احتلال مسعور، لا حجّهم مبرور ولا سعيهم مشكور.



Sunday, 19 December 2010

نرفوزة



لم يستطع أخونا المتفذلك في الأمن العام في «مطار رفيق الحريري الدولي»، إلا أن يعلّق على الصورة الشخصية التي رآها داخل جواز سفري، أقصد وثيقة السفر للاجئين الفلسطينيين خاصتي. وإن لم تكن تلك الصورة هي التي استثارت فذلكته، لأوجد حتماً ذريعة أخرى للتفذلك، ربما بسبب وقوفه الممل ذاك.
فكما هو متعارف عليه، ما إن يظهر الفلسطيني/ الفلسطينية وثيقة سفرهما أو هوية لجوئهما الزرقاء إن اضطراراً أو تعمداً، إلا وستثار بتفاوت حفيظة الآخر اللبناني أو فضوله أو عاطفته، سواء كان عسكرياً على أحد الحواجز أو زميلاً في الدراسة أو العمل أو غريبا ــــ ما غريب إلا الشيطان ــــ أو رجل أمن في المطار.
وبالعودة إلى أخينا رجل الأمن الذي كان يتفقد الأوراق والمستندات المطلوبة من المسافرين ويختمها ليكملوا مسيرتهم بعيداً عن بيروت، تنبّه إلى الصورة الشخصية التي كنت فيها مرتدية الكوفية الفلسطينية «القح» أو الأصلية، حتى علّق بطريقة استفزازية وابتسامة عريضة كادت تغطي كامل وجهه «متصورة بالكوفية، زيادة وطنية يعني؟».
لم أستوعب جيداً ما سبب هذا التعليق، ولكنني رددت بعصبية «في شي بيمنع؟» أكمل وابتسامته العريضة تلازمه «إنتو الفلسطينيي جاييكو التوطين، ورح تتوطنوا بلبنان! خلص بعدك بتتأملي ترجعي على فلسطين يعني؟».
كدت أصاب بجلطة «لأ مش متأملة أرجع على فلسطين، متأكدة.. إنو رح أرجع على فلسطين» قلت له.
ناولني جواز السفر، أقصد وثيقة سفر اللاجئين الفلسطينيين «تفضلي يا نرفوزة انتِ»، في محاولة منه لتلطيف الأجواء. أخذته، بالطبع، متمنية في سري طول عمره ودوامه في وظيفته المملة هذه، ومتمتمة «أنا بفرجيه! إذا ما بضلني كل ما بدي اعمل هوية أو باسبور ــــ يلعن ها..! ــــ قصدت وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين، أتصور بالكوفية». والحمد لله أنني سمعت كلام أمي وحصلت على وثيقة تخدم 5 سنوات، فحتى ذلك الحين ستبقى الكوفية رفيقة صورتي ووثيقة سفري.




Monday, 6 December 2010

Palestinian population clusters in Lebanon are not officially recognized


It only took a few decades for the Palestinian camps and the issue of improving the living conditions of their residents to occupy a special position on the agenda of some Lebanese politicians – or at least, this is how it is being portrayed in the media as of late.
But in reality, the camps’ residents continue to be deprived of the most basic needs required to lead a decent life, while the camps still suffer from overpopulation and chaos, not to mention poor infrastructure. Even building materials are still proscribed from entering some of these camps.
These are the conditions that no one envies them for, save for their peers who live in the so-called Palestinian population clusters, and therefore, one can only imagine the difficulty and direness of the situation of the latter. This is because these clusters, unlike the camps, are not eligible for UNRWA’s services, as the latter does not even recognize their existence!
In light of this deprivation [of basic rights] and marginalization, a large segment of Palestinians in Lebanon reside in population clusters that are neglected by UNRWA, which is otherwise adamant in the field of relief and works for Palestinian refugees.
As soon as you enter the Al-Itaniya compound, one of the population clusters mentioned above, you will notice that most of the homes there are old and are built out of tin sheets. Thus, your memory will go back to the sight of the beginnings of the establishment of the camps, before they became the ‘modern developments’ that they are today.
Mustafa Azzoum complains of the tough circumstances – including economic circumstances, of course – which prevent him from developing the shape of his house, which is basically built out of tin sheets and plastic tarps to prevent rainwater leakage into the house. He says: “We always try to place new tin plates or replace them with a concrete layer, but the Lebanese government does not allow that. In case building materials were spotted on their way here, the matter would be soon investigated”. 
“So that they wouldn’t collapse on top of our heads”
In the case of Umm Ali al-Akhal, the widow of a martyr, her house was demolished and she was jailed, after replacing the tin sheets in her house with concrete slabs. She was detained by policemen on charges of building illegally, since this compound is not a recognized [refugee] camp. Umm Ali said: “they told us this is not a camp and it is not recognized”, adding that “we have an electricity problem, and the water wells are polluted because of sewage water”, and a long list of other complains which she concluded with a personal appeal to President Abu Mazen to interfere and put an end to this suffering.
Hajja Fatima al-Makhal agrees with Umm Ali, and reiterates that “it is forbidden for us to replace the tin sheets or to place a single stone on top of another...even repairing the house is prohibited”. She then adds: “the UNRWA does not recognize our existence because we are outside of the refugee camps, and thus provides us with nothing. Also, all schools and the clinic are in the Kfar Bada area, and the clinic receives patients only two days a week”. Al-Makhal also points out that there should be an appeal for “the international community and the UNRWA to consider our suffering, and to repair our homes before they collapse on top of our heads”; this appeal was echoed by everyone we met there in fact.
In this same vein, Fahed Abu Ali, an official in the popular committee at the Wasita compound tells us: “First of all, we are prohibited from repairing our homes, and second, UNRWA does not bear any responsibility vis-a-vis these Palestinian population centres as they are outside of the camps”, citing the electricity problem as well that of water and sewage. He then demanded that the state allow repair works on the houses “so that they don’t collapse over our heads”.
Abu Ali was not exaggerating when he made this announcement, as this literally took place in the case of Hanaa al-Ahmad, who holds UNRWA responsible in case what happened to her house is to happen again. She says: “I hold UNRWA responsible if the house should collapse on top of us, because my house is made of hay. Actually, a wall collapsed on my children last year”.

God save us.
In al-Qasimiya, a visitor will not be safe at the home of Ibrahim Ibrahim (Abu Khalil), who said: “My house is made out of tin sheets and I have a room made of hay. I don’t know when it will collapse on top of my family. Snakes enter my house, and me, my wife and my (ten) children are exposed to snakebites, may God save us.”
Despite submitting a request to UNRWA through Social Affairs and the region’s director to inspect his house that is not fit for habitation, the result was that an engineer came from UNRWA to inspect the house before disappearing and never returning again. As for the promise that Abu Khalil received, it soon became an apology “under the pretext that we are not an official camp”.
Taking advantage of the occasion, he called on the international community and the UNRWA in turn to recognize these Palestinian population centres equally with the camps, “because we pay the price. My house is unfit for habitation, and we do not know when the bathroom ceiling will collapse over our heads. My ten children and my wife and I live in two rooms only”.
What makes matters worse is that he doesn’t have a secure job as a farmer, and the income he receives is modest and he thus cannot afford to guarantee the survival of his son who needs a oxygen bottle to breathe because of his illness. It is currently being paid for by one of the ‘charitable people”, but Abu Khalil cannot keep the rest of his family safe by securing a safer home for them.
Even with the presence of some ‘philanthropists” who cover the cost of replacing the old tin sheets with new ones, this still depends on obtaining an official permit from the authorities that do not recognize their existence in the first place! 

* The majority of these Palestinian population clusters are located on privately owned lands that the United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees – UNRWA – does not lease from the government or from the owners, contrary to the lands on which the rest of the camps are established.
While UNRWA assumes the responsibility for these camps in terms of providing social, health, educational and other types of services and assistance – which by the way are being continuously reduced by UNRWA -, other Palestinian population centres are denied the bare minimum of such services under the pretext that they are located outside of the camp and cannot be considered refugee camps. In addition, introducing building material to these population centres is illegal and prohibited, prompting the parents at times to secretly smuggling them in.
It should be mentioned here that a number of Palestinian refugees had settled in such population clusters in the aftermath of the Nakbah [the catastrophe], when the owners of the lands on which they are situated sympathized with them and allowed them to live and work in farming those lands, following which event they managed to live and settle there. But when the ownership of these lands changed hands, the new owners protested against the illegal settlement by these refugees, and filed lawsuits which they ultimately won. The execution of the court’s verdicts in this regard is now just around the corner.

التجمعات الفلسطينية في لبنان بيوت من تبن وصفيح تفتقر وجودها رسميّاً





لم يتطلب الأمر سوى بضعة عقود لتحتل المخيمات الفلسطينية ومسألة تحسين الأوضاع الإنسانية والمعيشية للسكان فيها مكانة مميزة في أجندات بعض السياسيين اللبنانيين، أو على الأقل هذا ما تظهره الوسائل الإعلامية أخيرا. أما في الواقع، فلا يزال سكان المخيمات يعانون حرماناً من أبسط مقومات الحياة الكريمة، ولا تزال المخيمات تعاني ما تعانيه من اكتظاظ وعشوائية وضعف في البنى التحتية، حتى أن مواد البناء لا تزال ممنوعة منعا باتا من الدخول إلى بعض تلك المخيمات.
أوضاع سكان المخيّمات لا يحسدهم عليها إلاّ أقرانهم الذين يقيمون في ما يُصطلح على تسميته بـ"التجمعات الفلسطينية"، وبالتالي يمكن تصور سوء الأحوال التي يعيشونها وصعوبتها. فهذه التجمعات الفلسطينية على خلاف المخيمات لا تتمتع بخدمات الأونروا التي لا تعترف بوجودها أساساً! وفي ظل هذا الحرمان والتهميش، تقبع شريحة من الفلسطينيين في لبنان في تجمعات غفلتها عيون الأونروا الساهرة على غوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم.
ما إن تدخل مجمّع "العيتانية"، وهو أحد تلك التجمعات، حتى تلاحظ أن معظم البيوت فيه قديمة ومبنية من ألواح الزينكو (الصفيح). فتعود بك الذاكرة إلى مشهد بدايات تأسيس المخيمات قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه من "بناء حديث".
يشتكي مصطفى عظوم من الظروف الصعبة – والاقتصادية طبعاً - التي تمنعه من تطوير هيئة منزله المؤلف بشكل أساسي من ألواح الزينكو وأكياس النايلون لتمنع تسرب مياه الأمطار إليه، "نحاول دائما وضع ألواح زينكو جديدة أو تبديلها بطبقة من الباطون، إلا أن الدولة اللبنانية لا تسمح بذلك. وإذا ضُبطت مواد بناء في طريقها إلينا يتم التحقيق بالمسألة". 
"كي لا تقع فوق رؤوسنا"
أما في حالة أم علي الأكحل، وهي أرملة شهيد، قامت باستبدال ألواح الزينكو بالباطون فقد هُدم منزلها وحبسها، من قبل عناصر من الدرك، بحجة أن البناء غير شرعي، لكون هذا التجمع لا يشكل مخيماً معترفاً به. وتشرح "قالولنا هادا مش مخيم ومش معترف فيه"، وتضيف "لدينا أزمة كهرباء، وآبار المياه الشرب ملوثة بمياه الصرف الصحي"، لائحة من الشكاوى لم تنهها إلا بدعوة شخصية لتدخل الرئيس أبو مازن ووضع حد لهذه المعاناة.
توافقها الحاجة فاطمة مكحل، لتكرر "ممنوع أن نغير ألواح الزينكو، ولا أن نضع حجرا فوق حجر. حتى صيانة المنزل ممنوعة". وتعلّق على دور الأونروا: "الأونروا لا تعترف بوجودنا لأننا خارج المخيمات، ولا تؤمن لنا شيئا. المدارس والمستوصف في منطقة كفر بدا، والأخير لا يستقبل المرضى إلا يومين في الأسبوع". وتشير إلى ضرورة مناشدة "المجتمع الدولي والأونروا للنظر في معاناتنا، والقيام بترميم بيوتنا قبل أن تسقط على رؤوسنا". مناشدة شاركها فيها جميع من التقينا بهم.
وفي هذا السياق، يحدثنا مسؤول اللجنة الشعبية في تجمع "الواسطة" فهد أبو علي، "نحن ممنوعون من ترميم البيوت بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية الأونروا لا تتحمل مسؤولية هذه التجمعات الفلسطينية كون وجودها خارج المخيمات"، مشيرا إلى مشكلة الكهرباء والمياه والصرف الصحي، ومطالبا الدولة أن تسمح بصيانة البيوت "كي لا تقع فوق رؤوسنا. 
لم يقصد أبو علي المبالغة في وصفه هذا، فقد تحقق حرفياً في حالة هناء الأحمد التي تحمّل الأونروا المسؤولية في حال تكرار ما حصل في منزلها سابقاً، "أُحمِّل الأونروا المسؤولية إذا سقط البيت علينا، لأن بيتي من تبن، وقد سقط حائط على أولادي السنة الماضية".
الله يلطف فينا
وفي "القاسمية"، لن يؤمّن الزائر على حياته في منزل ابراهيم ابراهيم (أبو خليل): "بيتي من الزينكو وعندي غرفة من التبن، لا أعرف متى تسقط على عائلتي، تدخل الأفاعي الى بيتي وأنا وزوجتي وأولادي (العشرة) معرضين للدغها... الله يلطف فينا".
وعلى رغم تقديمه مذكرة للأونروا من خلال الشؤون الاجتماعية ومدير المنطقة لمعاينة منزله غير الصالح للسكن، كانت النتيجة أن قدم مهندس من قبل الأونروا لمعاينة المنزل ليختفي ولا يعود، والوعد الذي حصل عليه أبو خليل سرعان ما تحول إلى اعتذار "بحجة أننا مخيم غير رسمي". هكذا، استغل المناسبة ليطالب بدوره المجتمع الدولي والأونروا بالاعتراف بالتجمعات الفلسطينية كباقي المخيمات، "لأننا ندفع الثمن، بيتي غير صالح للسكن، لا نعرف متى يسقط سقف الحمام علينا، أبنائي العشرة وزوجتي وأنا موزعون على غرفتين فقط".
وما يزيد الطين بلّة، هو عمله غير المستقر كمزارع والذي يعود إليه بمدخول متواضع لا يمكِّنه من ضمان استمرار حياة ابنه المرهونة بعبوة أوكسيجين، لا يستطيع التنفس إلا عبرها بسبب مرضه، يدفع ثمنها أحد الأشخاص "الخيِّرين"، ولا يمكِّنه من حماية باقي أفراد أسرته بتأمين مسكن أكثر أمانا.
فحتى مع وجود بعض "المحسنين" الذين يغطون تكلفة استبدال ألواح الزينكو القديمة بأخرى جديدة، يبقى تحقيق الأمر مرهون بالحصول على تصريح رسمي من سلطات لا تعترف بوجودهم أصلا! 

* يقع معظم التجمعات الفلسطينية على أراض ذات ملكية خاصة، ولا تتكفل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين- الأونروا بدفع تكاليف ايجارها للدولة أو لأصحابها، على عكس الأراضي التي تقوم عليها بقية المخيمات.
وتتحمل الأونروا مسؤولية المخيمات من حيث تأمين الخدمات الانسانية والصحية والتعليمية وغيرها من المساعدات - التي يتفاقم تردّي نوعيتها وتناقص كميتها بشكل مستمرمن قبل الأونروا، بينما تَحرم التجمعات الفلسطينية من الحد الأدنى من الخدمات الانسانية والصحية والتعليمية، بحجة أنها موجودة خارج المخيمات ولا يمكن اعتبارها مخيمات. ويُعتبر إدخال مواد البناء الى هذه التجمعات أمرا ممنوعا وغير شرعي، ما دفع الاهالي الى إدخالها سرا.
وكان استقر في هذه التجمعات إثر النكبة عدد من اللاجئين، بعد أن تعاطف أصحابها معهم وسمحوا لهم بالبقاء والعمل في زراعة الأراضي، وتمكنوا من المكوث فيها (إلى حين)، فمع تبدل ملكية بعض تلك الأراضي احتج  مالكوها الجدد على الوجود "غير الشرعي" لهؤلاء، ورفعوا دعاوى قضائية انتهى الحكم فيها في مصلحة المالكين. واصبح تنفيذ حكم طردهم منها قاب قوسين او أدنى.

Saturday, 4 December 2010

ليتنا نشبه النمل أكثر





قد يبدو لك السّطح في المخيّم أنسب الأمكنة لخطف أنفاس سيجارة مسروقة خفية عن والديك.

 فالسطح هو أكثر الأمكنة انشراحا وفسحة، وفي الوقت نفسه تقوم الحيطان الرمادية المحيطة بك من كل الجهات بدورها في حجبك عن أنظار جيرانك المتطفلة.

لا تقتصر أهمية أسطح المخيم على هذه الميزة فحسب، فهي أيضا تشهد معارك طاحنة تجري في ظلمة الليل وسكونه بين صرصار عملاق كريه المنظر وبين مجموعة عاملة من النمل.

وعليه فإن مشهد صرصار واحد على الأقل مقلوب على ظهره ومحاصر بمجموعة من النمل بأوج استنفارها، ليس بالأمر المستغرب إطلاقا.

وبتأملك لإحدى هذه المعارك صدفة تستخلص أجمل دروس البطولة (هذا إذا لم تتدخل وتضرب الصرصار عنوة بإحدى خفّيك).

 ولو قارنا بين حجم صرصار واحد في مقتبل العمر وبين نملة لأذهلنا الفرق، إلا أنه لا يشكل فرقا ولا عائقا أمام النمل.

فالنمل عادة يقوم بعمله بشكل جماعي، فلكل دوره؛ البحث، المراقبة والترقب، إرسال الإشارات، الحماية وغيرها من الأدوار الغرائزية التي تقوم بها كل نملة على حدة في التوقيت المناسب.

فما إن يقع ذلك الصرصار كريه المنظر على ظهره بعد رحلة طيران ممتعة له ومرعبة لمن التقى بهم في وقفات "الترانزيت" خاصته، حتى تتكاثر حوله عشرات لا بل المئات من النمل إن تطلب الأمر ليبدؤوا عملهم .
 مجموعة تتولى الأطراف، مجموعة تتولى قرون الإستشعار، وأخرى الرأس وهكذا دواليك.
 وكلما كان العمل سريعا ومتقنا، زادت فرص النجاح بالقضاء على ذلك الصرصار وهزيمته شر هزيمة.

ولكن إن كان الصرصار محظوظا سينجح في التهرب من مصيره وينجح في الفرار، ولكنه بعد كل ما تعرض له بطيبعة الحال لن يعود لحالته الطبيعية.
 فإما سيفر بدون إحدى أطرافه أو ينقصه قرن استشعار!
 وقد تبقى بعض النملات متشبثة به حتى "الإستشهاد" أسوة بمن سبقها في المعركة ذاتها.

وهكذا سيكون الصرصار منهكا وسيبحث عن مكان آخر، مكان تترقبه فيه مجموعة أخرى عاملة من النمل، أو ضربة قاضية يوجهها إليه شخص بإحدى خفيه.




Wednesday, 1 December 2010

كلما اقتربت منك أكثر أحببتك أكثر




ذلك اليوم كان يبدو منذ بداياته منحوسا، على عكس ما هو متوقع له ان يكون، كونني سأتبارك برؤية فلسطين واكون قريبة منها (جغرافيا طبعا) للمرة الأولى.
يومها كان الطقس مزعجا وكانت السماء تمطر، قررت ان لا أحمل مظلتي - هيك جكارة-  علّ السماء تتواطأ مع تجاهلي المتعمد لزخات مطرها فتوقفها. بحق السماء كيف لها ان تمطر في هذا اليوم بالذات؟!  من بين كل هذه الأيام لماذا اختارت هذا اليوم تحديدا لكي تمطر وتخرِّب علينا المشوار.
في الطريق الى خارج المخيم تصبّحت بصرصور، قررت أن أكون متسامحة واتجاهله كليا وكأنني لم أره.
أتوجه الى سيارة أجرة، يطلب صاحبها الانتظار "دقيقتين" لانتظار راكبة "زبونة" له، اعتاد ان يأخذها من نفس المكان وفي نفس الوقت. لا تكاد تنتهي "الدقيقتين" حتى تأتي تلك المرأة، يتجه في طريق مغاير عن الطريق العام، أستفسر عن السبب لأعلم انه في طريقه لإحضار "زبونة" أخرى! 
لم يكن أمامي سوى أن ألزم الصمت، ماذا يمكنني أن أفعل غير ذلك وأنا لم احضر مظلتي معي وقد اضطر للانتظار طويلا قبل قدوم سيارة أجرة أخرى في ذاك الوقت المبكر – ربما كان يجدر بي حمل مظلتي.
ما زاد الطين بلّة هو أن أخونا السائق قرر أن يسير ببطىء شديد التزاما منه بحد السرعة الأدنى لا الأقصى، أو خوفا من انزلاق سيارته "المكحكحة" على الطريق، يا لطيف!
كان لا بد من الوصول في الموعد المحدد وإلا سيتوجهون الى الحدود اللبنانية مع فلسطين بدوني،  خصوصا أنهم شدّدوا على الإلتزام بالوقت...
أخيرا نصل الى موقف الباصات في منطقة السفارة الكويتية.

اكمل المشوار باتجاه الجنوب، الى صيدا تحديدا لألتقي بصديقاي هناك، في الطريق لم يصادفنا حادث سير وحيد أو إثنين، بل أربعة! على خط السير المتجه الى العاصمة.
بدأت الحديث مع نفسي "أأأأففف شو بعد في مصايب ما شفناها عند هالصبح؟"، متسائلة هل يعقل أن تكون هذه إشارات من القدر تخبرني انه ما كان يجب علي الذهاب الى الحدود... هل هذه إشارات تحذرني من احتمالية حدوث شيء هناك... سرعان ما تجاهلت نفسي، كون خط السير المتجه باتجاه الجنوب يسير بشكل طبيعي.
وبعد الالتقاء بصديقاي هناك، توجهنا سوية الى مكان التجمع الذي ستنطلق منه الباصات صوب الحدود مع فلسطين، بعد انتظار الساعة تقريبا، بل تحديدا هذا إن لم يكن أكثر، تمتلىء الباصات وتنطلق أخيرا باتجاه الجنوب.

لم تكن أجواء الباص باعثة للفرح بالنسبة لي، كانت الأغلبية تتحدث وكان صوتهم مصدر إزعاج وتشتيت لتركيزي في كتاب أحلام مستغانمي "فوضى الحواس". كل هذا كان سيدفعني للإنفجار باكية، خصوصا أنهم لم يلزموا الصمت إجلالا واحتراما لاقترابنا أكثر فأكثر من فلسطين، بل استمروا في حديثهم الجماعي للاتفاق على زمان ومكان محددين للالتقاء وتناول طعام غداء سوية.

وصلنا ألى محطتنا الأولى منطقة حدودية مؤلفة من تلال مليئة بحفر تنتظر همم سواعدنا لنزرع فيها ما يقارب ال500 شجرة. وبدت هذه الفكرة مناسبة ومهمة جدا للمساهمة في الحفاظ على البيئة وأمنا الأرض. إلا أنها بالنسبة لأحد منسقي هذه الحملة هي، كما شرح لنا، مهمة للمقاومين إذ ستشكل هذه الاشجار بعد مرور سنوات عديدة، غطاء تمويهيا لهم في حال اشتباكهم مع قوات الاحتلال الصهيوني، وهذه الفكرة غير مطمئنة بالمرّة. يعني ستبقى فلسطين خلال فترة نمو الأشجار هذه، تحت ظل الاحتلال ونحن في اللجوء؟!

شفع لنا المطر متأخرا، فبعد أن هُدَّت قوانا وشارفنا على الانتهاء من زرع الأشجار، بدأت السماء تمطر ما اضطرنا للرحيل واكمل مسيرتنا في اتجاه منطقة حدودية اخرى تطل على فلسطين. وهناك لم أبك كما توقع أحد الزملاء الذين سبق وزاروا الحدود بأن يحصل، وكما أنا نفسي توقعت. إذ صحيح ان الاراضي التي نقف عليها والتي على مدِّ نظرنا هي متشابهة وأن الحدود التي تفصلنا عن وطننا هي حدود وهمية غبية،  وان بلادنا رائعة، آآآآآخ ما اروعها، لكن كل هذه الأمور من المسلمات، ولم تخطر على البال البتة في تلك اللحظات التي كانت بها رائحة الارض ما بعد المطر تعمّدنا.
كان كل الهم أن أشبع عيوني منها/ من هذا الجزء منها، ,أحفظه في ذاكرتي وذاكرة الكاميرا. كنت أرغب في البقاء أكثر هناك، أن أخلو بها ونفسي، وأتأملها.
الذي شفع لي هذه المرة هو أننا اتخذنا فلسطين بوصلتنا وعاهدناها بالنشيد الوطني بعد ان امتلأت أجزاء السماء فوقنا ببالونات من لون علمنا.

بعد تفكير عميق بالإشارات التي صادفتها خلال فترة الصباح (عادة اعتبرها إشارات سيئة لإمكانية حدوث  شيء سيّء ما، وبناء عليه كان ممكنا ان أقرر الرجوع وعدم إكمال المشوار)، ولكنها كانت لتؤكد لي مجددا أن لا طريق سهل للوصول الى فلسطين!

سأبقى على يقين بلقائنا، وعلى يقين بصعوبة الطريق لتحقيق ذلك، وعلى يقين بأنني قد أقع كثيرا،  ولكنني على يقين أيضا أنني سأقوم لأكمل في اتجاهك دائما.

Saturday, 21 February 2009

أوباما يا ستي...أوباما


كالعادة تُخرج حقيبتها الخشبية اللون من الخزانة وتنتظر مجيئي التقليدي والدوري لاصطحابها الى أقرب مركز للاتصالات الدولية في المخيم, لإجراء مكالمة مع ذويها في فلسطين.
ما أن اطلّ عليها, حتى تبدأ بترنيمتها- التقليدية أيضاً- ترحيباً بي ,"يا أرنوبتي انتِ...ما حدا بفِشْ خلقي غيرك, الله يرضْى عليكي... الله ينجحك" وأكمل معها الترنيمة الأحب الى قلبي" يبعتلِك ابن حلال من ظهر حلال".
أقترب وأجلس بجوارها على الأريكة اليتيمة في غرفتها, لنبدأ سويّة عملية البحث عن دليل الهواتف المنشود في تلك الحقيبة التي تحتضن ذكرياتها عن أحياء وشوارع وشاطئ عكا وفلافل عكا. تحتضن تفاصيل طفولتها في قرية الشيخ داوود, وذكريات عن بيّارات اللوز والتين والزيتون... تحتضن قصصاً عن ماضٍ بعيد تذكر تفاصيله وكأنه كان بالأمس القريب.

تقاطع تأمّلي, بصورة جدّي المعلّقة على الحائط, بسؤالها: "تأكدّيلي هادا الدفتر عليه رقم أبو الفهد؟"- ابن عمها في الشيخ داوود.
أمسك بالدفتر وأسألها بدوري: "ما بدِّك تعطيني صورته؟",تجيب: "بس أموت بتوخدي كل شيء".
أردّ فوراً: "بعيد الشر. بس يعني من هلّق عم بقُلِّكْ هاي الصورة مكتوبة باسمي", أشير الى الحائط المقابل وأضيف "وهديك كمان, ويلِّلي حدها", "بعدو بزورِك بالليل؟".
تلتفت جنبيها وتؤكِّد "كان في فراشة صرِلْها أسبوع".
(وجود الفراشة أو زيارة الفراشة الى البيت إشارة إلى زيارة روح ميّت كما تؤمن والعديد من كبار السن).
ننطلق الى مركز الاتصالات, تتكئ بيد على العكّاز وبيدها الأخرى على ذراعي, ونمشي. بخطى متثاقلة وبطيئة وتنهيداتها ترافقنا طوال المشوار "آخ...انقطع نفسي-خَلَّينا نقعد على هالمصطبة", ابتسم وأعلم أنها تريد الجلوس أيضاً لتفحّص معالم البيوت وملاحظة أي تغييرات طرأت عليها.
نصل الى مركز الاتصالات أخيراً بعد عدّة استراحات, لنجده مقفلاً!
- شفتي يا ستي, قلتلِّك رح يكون بعدو مسكِّر".
- روحي شوفي بالبيت"
- لأ خلص, خلّينا ننطره, بكون نايم هلّق".
- حدا بكون بعدو نايم لهلّق؟".
لا مفر. أذهب مرغمة واعتذر على الازعاج كما كل مرّة. يبتسم صاحب المركز متفهماً ويقول. "يا حجة,بنفتح عل تسعة".
بعد عدة محاولات للاتصال بأحد الأرقام المدّونة, تتأهب جدتي وتهيئ نفسها للمكالمة. تجلس على الكرسي, وتترك العكاز مهمل قربها, وتعيد منديلها الأبيض خلف أذنها, تحاول نزع نظارتها لكني اتدخل وأساعدها. وتنتظر.
ما أن تسمع إجابة ما, حتي تنشرح معالم وجهها الذي أنهكته حياة التهجير واللجوء وانتظار العودة, يتصاعد صوتها تدريجياً انفعالاً وحماساً ويكاد لا يتوقف بين آخر أخبارها وأسئلتها عن آخر أخبارهم, من تزوج؟ من أنجب؟ من توفى؟إلخ إلخ
يمكنك الشعور برعشة صوتها وغصّة في حلقها من خلال حديثها وأسئلتها. تغرورق عيناها بعد انتهاء كل مكالمة "مع السلامة يا حبيبات قلبي سلمولي ...على الجميع ...مع السلامة".
في طريق العودة أحاول مواساتها "شو هل فستان الشلبي يلّلي لابسيتو؟ امتى خيّطيه؟" وأدعها تجيب.
ما أن نصل الى المنزل حتى تفتح تلفازها على محطتها المفضلة "الجزيرة" لتعيد على مسامعي آخر الأنباء عن غزة... والصومال والرئيس الأميركي الجديد, كما تفضِّل "الرئيس العكروت لجديد هادا أوداما".
- أوباما ياستي أوباما".
- أوداما ... ريتو يقبر أهلو... كلّن أهمل من بعض".
لن أجادلها فهي على حق هذ ه المرّة. وكل مرّة
!

بيت - برعاية الدول العربية




"أنا بحب الدول العربية … أنا بحب الاتحاد الاوروبي … أنا بحب الأمم المتحدة … أنا بحب منظمة العفو الدولية …" ترنيمة يُدوِّنها ويردّدها رجل استشهدت زوجته واطفاله في الحرب الأخيرة على غزة.
أحد المشاهد التي افترضها الفنان الفلسطيني ابن مخيم برج البراجنة فادي دباجة وأحسن تجسيدها في معرضه الفني "بيت- برعاية الدول العربية" الذي اقامه في المخيم مطلع شهر شباط والمتمثل بتصميم منزل متواضع يتألف من غرفتين ومطبخ وحمام.
الحمام وكما متعارف عليه هوالمكان الأكثر أمانا وحماية من صواريخ غبية طائشة في زمن الحرب، حيث يقبع ذلك الرجل مجاورا كرسي الحمام الأزرق -اللون الرسمي للأمم المتحدة ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا- ومدوِّنا ترنيمته على ورقة ليرميها في جوف كرسي الحمام ومردّدا إيّاها لتكسر أجواء الصمت المهيمنة على المتفرجين.
وهكذا تتوالى الرسالات الرمزية من باقي غرف المنزل الذي صمّمه دباجة، فمن عُبوّة الغاز الفارغة والنبتة المُتيبِّسة والجافة الأغصان في المطبخ إلى صور أشخاص تغرقها قطرات الماء المتسرِّبة من الأنابيب في الصالون وغرفة النوم.

ومن الماء ما قتل
الماء الذي يعد مصدرا للحياة يغدو مصدرا للموت البطيء واللذيذ إن تواجد في مكان لا يجب التواجد فيه أو إن
ندر في أماكن يجب التواجد فيها. وهكذا هي برأيه المساعدات والإغاثات الممنوحة للشعب الفلسطيني من قبل العرب والغرب. "عم بيقتلونا بمساعداتهم... عم بيلهونا فيها"، واصفا هذا الدور الإيجابي بالمسرحيّة لتحسين صورتهم خلال حدث طارئ والسؤال الأهم هو أين هذا الدور الإيجابي قبل الحدث الطارئ وبعده؟
هذا الدور "الإغاثي" بدا جليّا خلال حلاب غزة -وحتى خلال ما يزيد عن النصف قرن من اغتصاب فلسطين- إذ سارعت بعض الدول العربية في تمثيل الدور الأكثر اتقانا بالنسبة لها، لتبدأ عملية التنافس بين هذه الدولة أو تلك على من يقدم مساعدات ومعونات أكثر لإغاثة الشعب الفلسطيني و "نصرة لصمود الشعب الفلسطيني البطل" و"وفاءً لتضحيات الشعب العربي الفلسطيني الشقيق"... في الوقت الذي وقفت فيه عاجزة أمام الإبادة الجماعية التي يرتكبها الصهاينة.
وما ينطبق على الدول العربية (الحكومات وليس الشعوب) ينطبق على غيرها من دول العالم التي لعبت دورا سلبيا خلال حرب غزة. وخصوصا تلك الجهات التي تهنى بحقوق الانسان.

الأقربون أَولى
ولكن عملا بمبدأ "الأقربون أولى" كان لا بد من وقفة لوم وعتاب على الدول العربية ومواقفها "كان التحدي الأكبر بالنسبة لي وعلى الرغم من المواقف والسياسات العربية المخزية هو أن أبقى عربياً وأن لا أدع أي شيء يسلبني عروبتي... فأنا جزء لا يتجزأ من العالم العربي".

ما قدمه دباجة لا يرمز لغزة فقط "بل كل فلسطين ال 48 وال67 وكل المراحل المُرّة والبشعة التي مررنا بها كشعب فبسطيني... والتي دائما كان للدول العربية دورا ما فيها إن سلبيّا أم إيجابيّا... إلاّ أنّنا دائما من يدفع الفاتورة".

وعليه لم يأت معرضه الفني تكريما لشهداء غزة الذين ذُبِحوا بدم بارد أمام مرأى ومسمع العالم فحسب، بل تجسيدا للواقع المُر المشترك لمعاناة اللاجئين إن في فلسطين المحتلة أو في مخيمات اللجوء المؤقتة منذ العام 1948 جرّاء الغياب القسري لأبسط حقوقهم الإنسانية التي تحفظ حقهم بالتمتع بحياة كريمة ولائقة. وجرّاء اكتفاء دول العالم ودول عربية شقيقة وغير شقيقة بدور المُتفرِّج العاجز وبالتالي الراعي والمُبارِك معظم الأحيان ودور المغيث في الأحيان القليلة المتبقية.
هؤلاء لم يعد يملكون شيئا.... ما تبقى لستر عوراتهم لم يعد حتّى تحت سيطرتهم. لسخرية القدر... بل شفاعته!


Saturday, 14 February 2009

بوسطة الأخوة لكسر "حصار" مخيم نهر البارد

     
   

أسوة بسفينة الأخوة لكسر الحصار على غزة, طالبت إحدى المشاركات في مداخلتها خلال اللقاء التواصلي مع أهالي مخيم نهر البارد بمبادرة "بوسطة الأخوة" لـ "كسر" حصار مخيم نهر البارد ووقف نزيف المعاناة الذي عانى منه وما زال سكان المخيم المهجرين منهم والنازحين سواء في المخيم القديم أو الجديد أو حتى خارجهما.
كذلك شدّدت المداخلات الأخرى من قبل المشاركين، على ضرورة تفعيل دور الإعلام والمؤسسات والمنظمات المدنية والحقوقية (المحلية والدولية) لتسليط الضوء على معاناة سكان مخيم نهر البارد المستمرة ووضع حد لها والضغط على الجهات المسؤولة المعنية لمباشرة إعادة إعمار المخيم.
جاء ذلك خلال اللقاء التواصلي مع أهالي مخيم نهر البارد الذي نظّمه مجموعة من الناشطين والمتطوعين الفلسطينيين واللبنانيين تحت عنوان " نهر البارد... إن روى..." وفي ظل تخوفات الأهالي من قرار مجلس الوزراء اللبناني الأخير بتاريخ 16 كانون الثاني 2009 لإقامة قاعدة بحرية على شاطىء مخيم نهر البارد ومن قراراته السابقة بإنشاء قاعدة عسكرية برية داخل المخيم، وفي ظل استمرار الضغوط بسبب التصاريح والحواجز وعمليات التفتيش لداخلي وخارجي المخيم من سكانه أو زائريه، وذلك الاربعاء 11-2-2009 في مسرح المدينة- بيروت.
وشارك في اللقاء من أهالي المخيم وجواره كل من ممثلة "هيئة مناصرة مخيم نهر البارد" سكينة العنين, رئيس "لجنة تجار ومتاجر مخيم نهر البارد" حسن مواعد, رئيس بلدية المحمّرة الشيخ نديم تلاّوي وآخرين, وبحضور مجموعة من وسائل الاعلام المرئية والمكتوبة (محلية- عربية) واعلاميين, وممثلي عن مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية واللبنانية ومنظمات حقوقية محلية ودولية وفعاليات.
تخلّل اللقاء عرض لشهادات سكان مخيم البارد وجواره ومداخلات من قبل الحضور, كما تم عرض تقارير تشرح خريطة لدمار المخيم ووضعه الأمني وحالة إعادة الإعمار (مع وقف التنفيذ) وتقارير عن كيفية الحصول على التصاريح العسكرية للمدنيين والصحافيين بالإضافة الى عرض لخطوات الدخول الى المخيم ومراحله؛ من الانتظار لعبور الشريط الشائك عبر الحاجزمرورا بالتفتيش والتأكد من التصريح. كما تم عرض للوضع الاقتصادي والأزمة الاقتصادية في نهر البارد ووضع المجتمع المدني الذي تحول دوره من دور تنموي إلى إغاثي، والوضع النفسي الاجتماعي لسكان المخيم بالدرجة الأولى.
إما البارد وإما فلسطين.
هكذا ختمت عزيزة عبد الكريم شهادتها عن نهر البارد, بعد حديثها عماتُعانيه وأطفالها جّراء عبور الحواجز وتقديم التصاريح للعبور من وإلى المخيم - حيث تقيم و 28% ممن عادوا في مساكن مؤقتة (بركسات) أنشأتها الأونروا, أي أن حوالي 20,000 من السكان ما زالوا مهجرين.
" هي مؤقتة الى حين إعادة الإعمار... وكلها وعود", تقول. وتتساءل لماذا لا يسمح لهم بالعودة الى بيوتهم المدمّرة وليفعلوا بها ما يريدون طالما هم أنفسهم يرغبون بذلك, "نحنا بدنا نرجع عَ بيوتنا مثل ما هيي مدمّرة... قابلنين فيها"، مضيفة أنه لا بديل عن عودتها الى المخيم " إما البارد وإمّا فلسطين".
وتأكيداً على ذلك, تضيف سعاد حسين شهادتها عن المعاناة اليومية المستمرة لهم والمتمثّلة بالتصاريح وعمليات التفتيش والانتظار وما يخلّفه ذلك من آثار نفسيّة على الجميع خصوصاً الأطفال.
بنموت باليوم مئة مرّة
اعتبرت من جهتها سليمة القاضي في شهادتها أن المخيم يمثل البيت الثاني بعد فلسطين, مشتكيةً من مسألة التصاريح والحواجز والتفتيش ومتسائلة "كيف أحتاج إلى تصريح كي أدخل منزلي؟!". ورأت أن تدمير الكرامة أكثر إيذاءً من تدمير الحجر, "عم بنموت باليوم مئة مرّة".
وقالت سكينة العنين من جهة ثانية, أنهم "كهيئة مناصرة مخيم نهر البارد" عملوا ويعملون من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية, وتشكيل لجنة حل النزاعات بسبب التوترات في المنطقة بعد حرب البارد, وشدّدت على كوننا ضيوف في لبنان وعلى وجوب أن نكون ضيوفاً أعزاء وليس أذلاء.
مع الأمن... لكنّنا ضد الاستبداد
أكّد رئيس بلدية المحمرة نديم تلاّوي من جهته "إن العلاقة مع المخيم وأهله هي علاقة ممتازة قبل الحرب وبعد الحرب.. بل إنّها زادت المحيط تضامناً وتعاطفاً", مطالباً المسؤولين العمل على إزالة العوائق لإعادة الأمور الى سابق عهدها.
وشدّد على أن الواقع الأمني يفرض نوعاً ما من الإجراءات القائمة حالياً إلا أن ذلك لا يبّرر بعض الإجراءات التعسفية "نحن مع الأمن والحواجز والمراقبة والتفتيش لكننا لسنا مع الاستبداد"! وأضاف "البلد بحاجة الى الاستقرار, وأهل المخيم والجوار أيضاً.
ما حصل في البارد هو "هوريشيمي"
طالب رئيس لجنة تجار ومتاجر مخيم نهر البارد بإلغاء الحواجز والأسلاك الشائكة المحيطة بالمخيم, لكي لا يبقى منطقة مغلقة ولا تبقى الحركة التجارية والتبادلية مع المحيط والجوار اللبناني مسدودة, مشيراً إلى أن المخيم كان ركيزة من ركائز الاقتصاد اللبناني. وبعد الحرب إنهار الوضع الإقتصادي في المخيم "عدنا الى الصفر", إذ يبقى ما يزيد عن 50% من المصالح في المخيم معطلة, ويصل المعدل الحالي للبطالة 40% لدى العائدين الى المخيم و26% لدى أهل المخيم المهجرين ليتدنى مدخول الأسر في نهر البارد 40%.
كما نفى الإشاعات المغلوطة عن التهريب الغير شرعي في الخيم, مستطرداً "كفى ظلماً لأناس أحبوا هذا البلد... ازدهرت تجارتنا بالبارد ليس بالتهريب بل بالصدق والأمانة".
وأكد المواطن اللبناني وجار لمخيم نهر البارد عبد الله صالح على الشراكة والأخوة بين الشعبين وطالب بإلغاء التصاريح المفروضة لدخول
المخيم "بدنا نفوت عل مخيم بدون تصاريح.. أشغالنا كانت كلها بالمخيم

تجدر الإشارة إلى أن مخيم نهر البارد ما زال مصنفاً كمنطقة عسكرية وأمنية رغم مرور 19 شهراً على إنتهاء المعركة ما يصعّب من منهجية مشروع طوارئ بإعادة الإعمار التي تحتاج ديناميكية وسرعة ومرونة والتي ما زالت غيرمتوفرة.
وإلى حينه سيبقى نزيف معاناة سكان المخيم القديم والجديد من النازحين والمهجرين مستباحاً وحتى إشعارآخر!

Wednesday, 4 February 2009

أنا بحبّك يا الله ...ليش مَكُنتِش معانا تحت؟*



إن لم يكن ماضينا ولا حاضرنا تحت ظلّ الإحتلال كفيلاً بتذكيرنا أنّنا تحت ظلِّه، يتوجّب إذن أن نتوقّع في المستقبل القريب والبعيد التعايش معه أو تقبّله أو اسقاط صفة الإحتلال عنه سهواً!
فأشكال الإحتلال لا تقتصر على الاستيلاء على الجزء الجغرافي للوطن فحسب بل تعدّاه لاحتلال الجزء اللغوي وبالتالي الثقافي إن صحّ التعبير لدى شعب هذا الوطن، فخير دليل على ما تقدّم هو استخدام أو سوء استخدام للغة والمصطلحات لوصف الحرب على غزّة لدى العديد. ليطلّ علينا من كلّ حدب وصوب وصف "المحرقة" او "الهولوكوست" (أي ما أصطلح عليه انه محرقة ضدّ اليهود من قبل النازيّين) وكأنّ قاموسنا العربي أصبح خاليا من المصطلحات التي يمكن استخدامها لوصف حقيقة وبشاعة ما يجري في غزة كالمجزرة،أو الإرهاب، أو جريمة الحرب، أو الإبادة الجماعية....! إذ يتم بذلك الربط لاشعوريا بين "معاناة" اليهود واستحضارها للأذهان وبين معاناة الشعب الفلسطيني القابع تحت الاحتلال والحصار والتجويع من قبل كيانهم المصطنع، وبالتالي المساهمة في الترويج –عن قصد او غير قصد لم يعد مُهِمّاً طالما ان عملية الترويج قد تمّت- للدعاية الصهيونية ومزاعمها وأكاذيبها ومغالاتها، إكمالاً لعمليّة إتحافنا بسمفونيّة التطبيع لا بل التطويع اللغوي للإحتلال كقول "الجيش الإسرائيلي" بدل جيش الإحتلال أو جيش العدو، وكقول ’إسرائيل’ بدل فلسطين المحتلة، ووصف المقاومين بالنشطاء أو الناشطين! إلخ إلخ إلخ

لو كان الرقم رَجُلا لقتلته
لم يعد مقبولا أن نكون في نظر العالم أرقاما على الهويّة وعلى بطاقة التموين وعلى ورقة توزيع الإعاشة وعلى ملّف عيادات الاونروا وهيئات الإغاثة... ولا أن تكون جدران بيوتنا في المخيّمات تحمل أرقاما للدلالة علينا... ولا أن يكون حقنا في تقرير المصير وحقنا في العودة و و و... فقط أرقاما ضمن "مو قرارات" الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
ليس مقبولا ان يصبح شهداءنا وأبطالنا أرقاما في نظر العالم ولا حتى في نظرنا.
نحن لسنا أرقاما، هؤلاء الذين قدّموا أرواحهم من اجل الوطن ليسوا أرقاما بل حياتا وقصصا وروايات وأحلاما وتاريخا وحاضرا وكان بالإمكان أن يصبحوا مستقبلا، بل بدمائهم التي روت أرض الوطن سينبتون حرية وسيصبحون مستقبلا.

كي لا ينام العالم فوق البائسين
لم يعد مقنعا أن تكتفي جماهيرنا العربية بالتضامن مع غزة في المظاهرات والمسيرات وال وال وال... بل يترتّب عليها تحمل المسؤولية وفاء لغزة وتضحيات غزة وبطولة غزة وأن تدفع باتجاه قطع كل العلاقات الطبيعية التي تقيمها بعض حكوماتهم مع دولة الإحتلال. فإن كانوا عاجزين عن الوقوف أمام حكوماتهم هل سيستطيعون الوقوف أمام رابع أقوى دولة عسكريا في العالم؟!
لم يعد كافيا أن يملأ الثوار الأرض ضجيجا كي لا ينام العالم فوق البائسين والمظلومين –عذرا تشي غيفارا- يجب أن يسرقوا وساداتهم وأسرّتهم أيضا.
هناك على ارض فلسطين وغزة من يقوم بذلك، هناك مقاومين رغم الحصار والتجويع ورغم أنف رابع أقوى جيش في العالم الذي لم يملك إلاأن ينجح في القتل والتدمير الوحشيين وبسط همجيته وبربريّته، إلا أن هذا أبعد ما يكون عن تحقيق الأهداف وفق مفهومي الإنتصار والهزيمة في زمن الحرب أو تحقيق انجازات أو القضاء على المقاومة.
ولإنه لا يمكن القضاء على روح المقاومة طالما هناك احتلال وظلم وهناك اشتياق للحرية والتحرير، المقاومة هي التي ستنتصر دائما وأبدا.

فيا أنتم، ويا أنتما، ويا هم، ويا كلّ الضمائر المخاطبة والغائبة خذوا حصّتكم من دمنا وانصرفوا...آن أن تنصرفوا.
آن أن تُبشِر يا وطني.... فأبشِر.



------------------------------------------------------
* سؤال ضمن جملة من الأسئلة التي يفترضها الكاتب الفلسطيني، سليم البيك، في رسم كاريكاتوري تعبيري بسيط على لسان طفل-أصبح بين ملكوت الله- خطفت روحه آلة الحرب الصهيونية لينضم إلى قافلة شهداء غزّة.
للإطلاع على أعمال سليم البيك زوروا موقع سليم البيك الشخصي على العنوان التالي:
www.horria.org

بس آجي على فلسطين بس....تيجي محلّي؟


صورة من الموقع الالكتروني لوكالة الأنباء معا



"إنّ الثورة تتجمّد وإنّ الثوّار ينتابهم الصقيع حين يجلسون فوق الكراسي، وأنا لا أستطيع أن أعيش ودماء الثورة مجمّدة داخلي" - إرنستو تشي غيفارا.
لن يبدو الإستشهاد بهذه المقولة بالذات، في مكان آخر، أكثر ملاءمة منه هنا. فهذه المقولة أيضا، كالثورة الفلسطينية المعاصرة، "تحتفل" بمناسبة ولادتها في العام ذاته 1965.
إذن 44 عاما مضت والمقولة هي نفسها، كما كانت وكما ستبقى، ولكن السؤال هنا هل هذا أيضا ما حصل للثورة؟
خير من يجيبنا عن هذا السؤال بصدق وصراحة وشفافية، وبعيدا عن متاهات وتعقيدات السياسة والعمل العسكري، هم الناس، هم قلب ونبض هذه الثورة، ضميرها وخيرُ مقيّم لها.

ابو محمد (64 عاما) من مخيم برج البراجنة يعتبر أن الثورة كانت حاجة ملحّة للشعب الفلسطيني حينها، للبدء في إثبات الهوية الفلسطينية في ظل قيام دولة "إسرائيل" والتعامل معنا على أساس مجموعة من الناس بحاجة الى الغذاء.... وعجز تطبيق القانون الدولي لتصحيح الوضع الذي نتج عن نكبتنا. وعليه تمت الاستجابة الى هذه الحاجة وقُدم الكثير الكثير في سبيلها، ولكن خلال المسيرة وبسبب شراسة العدو ضاعت بوصلة القيادة وأصبحت الشعارات حقل تجارب لهذا الفصيل أو ذاك... كل هذه الشعارات لم تصل بنا الى أكثر من اعتراف العالم بنا كشعب يمكن أن يتعايش مع شعب آخر على أرض كان يملكها كلها بالأساس. وتساءل إن كان هذا ما نطمح اليه كشعب أو كقيادة؟

يعرب فخر حسين حرز الله من مخيّم مار إلياس (60 عاما) عن ندمه بالإنضمام إلى صفوف الثورة منذ ريعان شبابه – شارك حرز الله في عمليات فدائية عديدة داخل فلسطين إلا أن مسؤوليّة العائلة والظروف المعيشية التي واجهها دفعاه في اتجاه العمل على سيارة للأجرة منذ بداية 1985 حتى هذا اليوم.
"لم تقدّم الثورة لي شيئا، لو عملت في شيء آخر لكان عندي الآن بيتا ملكي وليس كما الآن بالإيجار". ويأسف ان ما حقّقته الثورة يقتصر على تمكُنها من جمع الشتات الفلسطيني وصنع كيان اسمه فلسطين من جهة، ومن جهة أخرى عجزت الثورة عن تقديم أي حلول للشعب الفلسطيني أو تحقيقها للإنتصار الكامل. أمّا الذي أثر على الثورة بطريقة سلبية هو الإنقسامات التي شهدتها على الصعيد السياسي الحزبي وحتى الشعبي، منذ الإنطلاقة كان هناك إجماعا ووحدة ولكن اليوم.... "أصلا ما عاد في خط سير رئيسي لنعرف بأي اتجاه ماشيين عليه".

في المقابل لا يعرب أبو صلاح (44 عاما) –مخيّم شاتيلا – عن ندمه بالانضمام الى صفوف الثورة على الرغم من تجربته، إذ يرى ان الثورة الفلسطينية أثبتت وجود الشعب الفلسطيني وحافظت على كرامته، كما ربطت المكان الجغرافي والعمل المسلّح المقاوم، مضيفا أنّ الشهيد الرمز أبو عمّار حقق أشياء كثيرة للشعب الفلسطيني ولكن الأطراف العربية والإقليمية، والإنقسامات الداخلية، هي التي خذلت الثورة وأضرّت بالقضية الفلسطينية.
وأشار إلى أن الثورة مقصّرة تماما بحق الفلسطينيين وخصوصا في لبنان وفي تحسين الأوضاع الإنسانية والإجتماعية والإقتصادية سيّما أن المساعدات المالية الوفيرة والتي تأتي باسم الشعب الفلسطيني لا توزّع بالشكل المطلوب على المحتاجين وأسر الشهداء واليتامى، "في ناس عاشت على ضهر ناس". يستطرد سجنت لمدة أربع سنوات بسبب إنضمامي للثورة في السجون السورية وعندما خرجت لم يسأل عنّي أحد، وقتها قررت الإنفصال نهائيا عن الثورة. ولم يخفِ تشاؤمه من اللآتي فالثورة بأمس الحاجة إلى عقيدة جديدة عزيزا للوحدة الفلسطينية التي لم تعد خطا أحمرا بالمرة.


لوحة للفنان الفلسطيني إسماعيل شمّوط
المقاومة مؤنث
لا يمكن إلا أن نستحضر تجارب المرأة الاستثناء؛ المرأة الفلسطينيّة الزوجة، الأم، الإبنة، الأخت والشريكة في النضال.
"كيف قهوتك حبيبتي؟ شكرا ما بشرب.
طيّب عصير لكان. وإلي أنا قهوة مرّة.
شايفي: قهوتي مُرّة، وحياتي مُرّة، وانا من عائلة مُرّة ويلعن هالعيشة المُرّة."
هكذا وبإيجاز تختصر إم علي مُرّة من مخيّم شاتيلا مسيرة حياتها ال64، هي زوجة شهيد، وبنت شهيد وأخت شهيد ...وابنها الوحيد في روسيا، كانت تطبخ للفدائيين لكي تربي ابنها، ولكن "شو عطونا؟ ما عطونا شي". وتكمل بإنفعال: أنا مع الثورة، مع الأشراف في الأرض المحتلّة فقط. "مش مع هدول الحرمية، ما خايفة من حدا، عايشين عيشة الكلاب بالمخيّمات، كل المصاري يللي بتيجي باسم المخيمات بتروح ...كلّو واسطات". تعود إلى وتيرة أقل انفعالا "انا لست بحاجة الى مال من الثورة، ما يهمني هو غيري في المخيمات من الأرامل وزوجات الشهداء واللاتي لا تكفيهن المساعدات المالية لتغطية المصاريف المعيشية والتعليمية لابناءهن ابناء الثورة... "في ناس ميتة من الجوع"، وتتساءل أين الثورة ومال الثورة من هؤلاء؟
تشير إم علي أيضا إلى غياب النظام والإنضباط في المخيمات إذ ان سلاح الثورة الذي استخدمناه للدفاع عن كرامتنا اصبح لقتل بعضنا البعض. "الهوية الفلسطينية ما عاد بدّي ياها، بدنا نعيش بكرامة....أنا كبيرة بالعمر بدّيش أركض بنصاص الليالى اوأنصاب بالغلط هيك....الناس بدها ترتاح". يتدخّل جار إم علي، أبو محمد (64عاما) ويضيف الثورة حافظت على كرامتنا "كنّا قبل نوكل قتل، إجت الثورة بطلنا نوكل قتل"، مبديا ارتياحه وتشجيعه للمسار الذي تمشي فيه الثورة الآن، وتأمّله بأن يجدي العمل السياسي نفعا خصوصا فيما يتعلّق بحق العودة.
"بحطها فوق راسي"
إم ماهر (52 عاما) من مخيم مار إلياس تقول أن الثورة أدخلت الفلسطينيين الى الداخل وبالتالي تمكنت من إنشاء سلطة لها داخل فلسطين، أحب منظمة التحرير الفلسطينية "وبحطها فوق راسي". والثورة هي التي ساعدتنا (رغم محدودية المساعدة) بعد استشهاد أبي.
وتعتبر ان كل ما حصل (على صعيد فلسطين ولبنان) بعد استشهاد ابو عمار ما كان ليحدث لو كان على قيد الحياة.

لا تعتبر إم محمود (53 عاما) اللبنانية ونظرا لإقامتها في مخيم مار الياس، نفسها إلا فلسطينية وبإمتياز، فبالنسبة لها "الفلسطينيّون مقدّسون" كانوا لا يترددوا في الدفاع عن الدول العربية والدفاع عن انفسهم "مين وقف منّن جنبنا؟" (نون الجماعة الفلسطينيّة).
واستنكرت إبقاء الأوضاع الإنسانية والمعيشية داخل المخيّمات بطريقة مذرية متسائلة أين الثورة من الجيّاع والمرضى والمشحّرين؟ تصمت وتضيف: "شو بدي قلك تقبريني؟" "أهم شي الوحدة والاتحاد هلّق لتحقيق النصر".

 
صورة من الانترنت
الثورة شباب

وترى مهى من مخيم برج البراجنة (23عاما) ان الثورة هي صفحة مشرفة من التاريخ الفلسطيني ويجب الإعتزاز بها ولكن الأهم هو ان لا نبقى أسرى لأمجاد التاريخ بل البناء والحكم على الحاضر من خلال الواقع المعاش ومن خلال موازين القوى لدى أطراف الصراع.
"بالنسبة إلى من يوم ما وعيت ومن أيام (قبل الثورة وخلال الثورة وبعد الثورة) ستّي كانت لاجئة، وأهلي لاجئين وانا واخوتي لاجئين. يا خوفي ولادي بكرا يطلعوا لاجئين كمان".

بالنسبة لفادي (30 عاما) من مخيّم مار إلياس، فالثورة هي مصدر فخر واعتزاز، إلا أنّ شعوره هذا تبدّل الى الخزي والعار لما آلت إليه الأمور بسبب الإقتتال بين الأشقاء... رغم ذلك لا ينكر فادي تمكن الثورة من تحقيق ثلاثة أهداف منذ انطلاقتها؛ إذ جعلت الشعب الفلسطيني ولأوّل مرّة صاحب القرار المستقل، ونقلت المقاومة أو الكفاح المسلّح من الخارج الى الداخل، وجعلت القضيّة الفلسطينية هي القضية المركزية في العالم وليس للعالم العربي فحسب.
ويعتبر أنّ ضخ الأموال بطريقة غير مدروسة على الفلسطينيّين، وتحوّل بوصلات بعض القوى نحو دول خارجية، وأخيرا الإقتتال الداخلي، من أخطاء الثورة الفادحة والتي اساءت الى مسارها الصحيح. و يرى أن التوازن ما بين خط المقاومة المسلّحة من جهة والعمل السياسي والدبلوماسي من جهة ثانية هو المسار الأنسب لإكمال الثورة وتحقيق أهدافها.
"ثورة آخر الشهر"
بالنسبة للشاب (19عاما) الملقب بأبو فوزي مخيم شاتيلا، الثورة الفلسطينية تمثل له أننا كشعب فلسطيني أثبتنا أننا أصحاب قضية أمام العالم. وشدد على أننا اليوم في أمس الحاجة الى الوحدة في الصف الفلسطيني الفلسطيني و"مداواة جراح بعضنا، قاعدين منقتل ببعض و’اسرائيل’ عم تتفرّج". وتمنى ان ياتي قائد مثل أبو عمّار إذ بعده فلت زمام الأمور، مضيفا أن الذين استشهدوا في سبيل القضية الفلسطينية وخلال الثورة ما استشهدوا لنصل الى المرحلة التي نحن فيها الآن، وهناك أشخاص كثيرون شاركوا في الثورة وضحّوا من أجلها لا يسأل عنهم احد اليوم. يقاطعه صديقه "هون ما في ثورة" ينفخ دخان سيجارته، "هون في ثورة آخر الشهر... ماتت الثورة ماتت"، ويعلّق هشام معربا عن مخاوفه من الآت وعن تصرف القيادات الامسؤول فيما يتعلق بالفوضى في المخيمات، والسكان الأجانب، وتطول لائحة الشكوى التي اجمعوا عليها بدون مقاطعة والإكتفاء بهز رؤوسهم تأييدا.
تيجي محلّي؟
أكرم الذي يقيم في قرية بيتا في مدينة نابلس، يرى أنّ الثورة الفلسطينية نجحت في إثبات وجودنا للعالم كشعب له قضيّة يناضل من أجلها "نقلتنا الثورة من حالة الإستغاثة بباقي الشعوب إلى حالة الكفاح المسلح"، يضيف أنا شخصيا مع فتح وأعتبر ان فتح هي أساس الثورة، وعلى الرغم من بعض "التخبيصات" إلا أن الثورة كانت ومازالت تحاول الوصول إلى حل فيما يتعلّق بحق العودة واللاجئين، "الثورة بعمرها ما حطّت اللاجئين على جنب".
ويرى أن الإتجاه السياسي هو الأنسب في هذا الوقت لأن "إسرائيل" تطوّرت عسكريا واقتصاديا وفكريا و"إحنا مش قاعدين بنتقدّم إشي واحد"، فأي عمل مسلح او عسكري نقوم به يكلّفنا خسارة إضافيّة نحن بغنى عنها.
هذه المرّة هو يبادر بسؤالي؛ بتعرفي يا ندّوش لو بتيجي تعملي استبيان هون في فلسطين عن هاي الأمور خاصة عند الشباب...
أقاطعه وأجيب: أنا بس آجي على فلسطين بس.
حابّة تيجي؟ يا الله شو حابب أطلع منّها، تيجي محلّي؟ يبرّر أن الثورة لم تغيّر شيء حيال الحواجز، الوقت الذي يتطلبه للوصول الى جامعته في السيارة يقارب النصف ساعة ولكن بسبب الحواجز تصبح النصف الساعة ثلاث. "كل يوم بوصل بالليل تعبان، قرفان، مهموم وهم الدراسة كمان"، يضيف ملطّفا الأجواء: "مع هادا كلّو بيجي الحب شو بدّو يعمل الواحد؟".

بعد ما يزيد عن نصف قرن من النكبة والنضال والمقاومة المشرّفة ضد الإحتلال والإستعمار الصهيونيين، مسيرة طويلة تتطلب منا القوة والوعي الكافي لنقد الذات من أجل الإصلاح وبناء ذات فلسطينية قوية متماسكة مثقفة ومحصّنة بروح الأمل والمبادرة والإندفاع والإبداع خصوصا لدى العامود الفقري للثورة لدى قادة المستقبل؛ الشباب. وبناء ثورة متوازية في بعدها الفكري والعلمي والإعلامي والأدبي والفني والعسكري، والتاريخ حافل بالامثلة لثورات ناجحة يمكن استخلاص الدروس والعبر والاستفادة منها والبناء عليها.
ما هي الأهداف التي أنجزتها الثورة الفلسطينيّة؟ ما الذي حققته الثورة الفلسطينيّة للقضيّة ولشعبها؟ أين نحن من التضحيات الجسام التي قدّمها ابناء شعبنا من أجل هذه الثورة؟ أين أخفقت الثورة الفلسطينية؟ من يتحمل مسؤولية ذلك؟ هل نجحت الثورة الفلسطينيّة في مسارها الذي اتّبعته؟ من الذي يقوم بالمحاسبة والتقييم وتصحيح المسار؟
ما هي مقوّمات الثورة أصلا؟ ما هي شروط نجاحها أو فشلها؟ كيف يتم تعبئة جمهورها واحتوائهم وحمايتهم؟
هذه الأسئلة يتوجب الإجابة عنها من قبل كل من أخذ على عاتقه تحمل مسؤولية هذا الشعب ومسؤولية قيادة هذا الشعب وقيادة ثورة هذا الشعب. هذا الشعب الذي كان ومازال المحرّك الأساس للثورة، هو شعلتها ووقودها، هذا الشعب الذي قامت به ومنه ولأجله هذه الثورة. المسؤولية الحقيقية أمام قادة الشعب الفلسطيني تكمن في تقديم الإجابات عن هذه التساؤلات، وتصحيح المسار المشرّف الذي انطلقت منه الثورة الفلسطينية وتصويبه، والإعتراف بالأخطاء التي ارتكبت للعودة للطريق والمسار الصحيح، هذا إن كانت هذه القيادات فعلا جديرة بقيادة هذا الشعب وجديرة بلقب القيادة.
وقبل الإجابة عن تلك التساؤلات يتوجّب الإجابة أوّلا عن السؤال الأهم؛ هل نحن في حالة ثورة أم ماذا؟